top-banner

صناعة الفكرة في العقول «الغضة»

 

بقلم : د. علي الحديبي

في عصر السرعة وتكالب المشكلات وزيادة المتطلبات لم يعد هدف التدريس تعويد التلميذ أو الطالب حفظ أو تلقي المعلومة كما كان سائدًا في فترات وفلسفات تعليمية سابقة. اختلف الوضع في العقد الأخير من القرن العشرين، إذ أصبح الهدف الأساسي من التعليم تنمية المهارات التي تعود التلميذ التفكير فيما يتعلم، وإتقـان مهارات تفكير تؤهله للحكم على ما يتعلم، والحصول على المعلومات الجديدة.

تعددت التعريفات التي قدمت لـ«التفكير»، ومعظم هذه التعريفات تتناول جانبًا من جوانبه، فكل من قدم تعريفًا للتفكير ينظر إلى الأمر من منظور تخصصه، فعلماء النفس عندما يعرفون التفكير يضعون في اعتبارهم العمليات العقلية والذهنية التي تتم في الذهن، وعلماء الاجتماع عندما يعرفون التفكير يضعون في حسبانهم استخدام هذه العمليات الذهنية في التفاعل بين الجماعات، وعلماء الدين عندما يعرفون التفكير يهتمـون بالسلـوك العقلي الذي يثمـر العمـل الصـالح، وعلمـاء جراحـة الأعصاب (الفسيولوجي) يعرفونه على أنه عملية الاتصالات التي تحدث بين الخلايا العصبية.

الأكثر من ذلك أنه ربما يختلف تعريف التفكير عند أهل التخصص الواحد، فمثلاً علماء النفس تختلف نظرتهم إلى التفكير فمنهم – على سبيل المثال - من يعرف التفكير كسلوك، ومنهم من يعرفه كعملية عقلية، وهناك من يعرف التفكير على أساس علاقته بالذاكرة ... وهكذا.

وبصورة مجملة فإن التفكير بمعناه العام، نشاط ذهني أو عقلي يختلف عن الإحساس والإدراك ويتجاوز الاثنين معًا إلى الفِكَر المجردة، وبمعناه الضيق والمحدد هو كل تدفق أو مجرى من الفِكَر، تحركه أو تستثيره مشكلة أو مسألة تتطلب الحل، كما أنه يقود إلى دراسة المعطيات وتقليبها وتفحصهـا بقصد التحقق من صحتها، ومعرفـة القوانين التي تتحكم بها، والآليات التي تعمل بموجبها.

والتفكير بذلك عبـارة عن سلسلة من النشاطات العقلية التي يقوم بها الدماغ عندما يتعرض لمثير يتم استقباله عن  طريق واحدة أو أكثر من الحواس، وهو مفهوم مجرد، لأن النشاطات الدماغية غير مرئية، وما يشاهد هو نواتج فعل التفكير.

أهمية تعليم مهارات التفكير

هل هناك حاجة إلى تعليم التفكير؟ الإجابة عن هذا السؤال توضح أهمية تعليم التفكير ومهاراته.

إن معظم الإنجازات العلمية والتكنولوجية التي حققتها البشرية في القرن العشرين هي نتاج أفكار المبدعين، ولكن العلم في الماضي كان يصمم لعالم مستقر، أما الآن فإن مجتمعنا يعيش في عالم سريع التغير تحيطه تحديات محلية وعالمية، لعل من أهمها الانفجار المعرفي والتطور التكنولوجي والانفتاح على العالم نتيجة سرعة الاتصالات والمواصلات حتى أصبح العالم (قرية صغيرة).

كل ذلك يحتاج منا إلى السرعة في تنمية عقليات مفكرة قادرة على حل المشكلات، ومن ثم فهناك حاجة ملحة إلى تدريب التلاميذ على كيف يفكرون ويبدعون وينتجون وينقدون ويقومون...إلخ.

وبصورة مجملة، يمكن الإشارة إلى أهمية تعليم التفكير، كونه ضرورة حيوية للإيمان واكتشاف نواميس الحياة، كما أنه يلعب دورًا مهمًا في النجاح الدراسي والحياتي، خصوصًا إذا ما علم أن التفكير الحاذق لا ينمو تلقائيًا.

ويعد التفكير قوة متجددة لبقاء الفرد والمجتمع معًا في عالم اليوم والغد، فتعليم مهارات التفكير يفيد المعلمين والمتعلمين معًا.

إننا نواجه كمًا هائلًا من المعلومات التي تتدفق علينا كل يوم، وإذا لم نستوعبها بطريقة منظمة تقوم على أساس التفكير فلن نتمكن من هذه المعلومات مطلقًا.

ليست عملية بسيطة

لا يمكن اعتبار التفكير عملية بسيطة كما يتصور الكثيرون، بل هو عملية معقدة متعددة الجوانب والخطوات، وتدفعها الدوافع وتقف في طريقها العقبات.

للتفكير مهاراته، وأية مهارة يحتاج الإنسان إلى تعلمها بالممارسة والتمرين والاصطبار عليها والتحسين المستمر في أدائها، كما أن التفكير يستخدم أعضاء عدة، فلابد من إجادة تشغيل هذه الأعضاء كالحواس والدماغ.

كون التفكير فطريًا لا يغني عن اكتساب مهاراته، لأننا نقوم بعمليات تلقائية كثيرة، ومع ذلك فنحن بحاجة إلى تعلمها. كما أن الفطرة لم تعد بمنأى عن التغيير والتحريف في أمور الغرائز، فلا نستغرب من وجود برامج لتعليم الأمومة مثلًا.

ويمكن تصنيف أنواع التفكير كما يوضح الجدول التالي المحاور التي يمكن في ضوئها تصنيف أنواع التفكير

المحـــــور

نوع التفكير

من ناحية الفعالية:

تفكير فعال، تفكير غيرفعال.

من ناحية عدد المفكرين:

تفكير فردي، تفكيرجمعي.

من ناحية إنتاجية الأفكار:

تفكير ناقد، تفكيرإبداعي.

من ناحية طريقة التوصلللأفكار:

تفكير استقرائي، تفكيراستنباطي.

من ناحية التجريد:

تفكير محسوس، تفكيرمجرد.

 

عليك أن تلاحظ أن لكل نوع من هذه الأنواع مهاراته الخاصة به، وتحتاج إلى التدريب عليها. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المهارات رغم أنها تنتمي لنوع معين من التفكير إلا أنه يمكن تنميتها من نوع آخر، فهذه المهارات يكمل بعضها بعضًا، فعلى سبيل المثال قد نحتاج إلى مهارة من مهارات التفكير الناقد عندما نتدرب على مهارة من مهارات التفكير الإبداعي، كما أن التفكير الجمعي ما هو إلا انعكاس للتفكير الفردي، ولكن بين مجموعة من الأفراد، وهكذا.

مثال:  عندما أدرس اللغة العربية، وأطلب من التلاميذ أن يأتوا بأكبر عدد ممكن من الكلمات تنتهي بحرفين محددين كما في كلمة (جمــال) فإنهم سيقولون (مَال «نقود» - عمال - قال - فال - بال - عال - مَالَ- صال - جال - خيال - عيال - قتال - محال -...إلخ.

وهذا النشاط ينمي مهارة من مهارات التفكير الإبداعي وهي مهارة (الطلاقة).

وفي هذا النشاط يمكن أن ينمي أيضًا مهارات التفكير الناقد، بحيث يقوم باقي التلاميذ الكلمات التي يأتي بها الزملاء، وهذه المهارة هي مهارة (التقويم)، وهذا يعني أنه من خلال نشاط واحد يمكن تنمية أكثر من نوع من أنواع التفكير.

اختلاف حول طرق تعليم مهارات التفكير!

على رغم أهمية تعليم التفكير إلا أن العلماء لم يتفقوا على كيفية تعليم التفكير، إذ توجد طرق عدة لتدريس خطوات واستراتيجيات التفكير، ويمكن تقسيم هذه الطرق إلى مجموعتين رئيستين، أولاهما ترى تدريس عملية التفكير بشكل مباشر من خلال محتوى مقرر دراسي، أما المجموعة الثانية فترى أن عملية تدريس التفكير ينبغي أن تكون ضمنية وغير مباشرة من خلال تقديم مهارات مرتبطة بعملية التدريس. وتمثل المجموعة الأولى الأسلوب القديم في تدريس عملية التفكير، أما المجموعة الثانية فتمثل الأسلوب الحديث.

ففي المسار الأول تبنت العديد من الدراسات والكتابات تعليم التفكير من خلال مناهج أو برامج مستقلة، فعلى سبيل المثال يذكر أحد أنصار هذا الرأي أنه يجب أن تتوافر مناهج لتنمية التفكير وطرقه المنطقية، مثل مناهج عن طبيعة التفكير، ومناهج عن التفكير والتكنولوجيا، ومناهج في التفكير المعاصر، ومناهج في التفكير وما وراء الطبيعة.

في حين تبنت كثير من الدراسات والكتابات في المسار الثاني تعليم التفكير وتنميته من خلال المواد الدراسية المختلفة، ولم تتخذ برامج مباشرة لتعليمه، وبذلك يكون التفكير مخرجًا من مخرجات العملية التعليمية، وليس مدخلًا لها، وقد استخدم في ذلك استراتيجيات تدريس معينة، أو بتنويع طرائق وأساليب التدريس.

ويـسمى الأسلـوب الأول (الأسلـوب المباشر)، في حين يسمى الأسلـوب الثاني (أسلوب الدمج والتكامل). ويوضح الجدول التالي الفرق بين الأسلوب المباشر وأسلوب الدمج في تعليم مهارات التفكير.

وربما يكون مفيدًا الدمج بين الأسلوبين عند تعليم مهارات التفكير إذا وجدت الإرادة والخبرة لدى المعلم، فمثلاً عندما أدرس درسًا معينًا من الممكن أن أحدد مهارة التفكير التي أريد تدريب التلاميذ عليها (الأسلوب المباشر)، ثم أعلمها من خلال المادة التي أدرسها للطلاب (أسلوب الدمج).

وأضيف إلى هذين المسارين مسارًا ثالثًا، وبالتالي أصبحت مداخل تعليم التفكير ثلاثة مداخل هي:

· المدخل الفردي: يؤكد أن مهارات التفكير يمكن أن يتم تعليمها منعزلة عن محتوى المواد الدراسية.

·المدخل الاندماجي: يؤكد أن مهارات التفكير يمكن أن يتم تعليمها متضمنة في سياق محتوى المواد الدراسية.

·المدخل الاستبصاري: يركز على أن مهارات التفكير التي تظل متضمنة في فهم عمق محتوى المقررات الدراسية هي شرط ضروري وكاف لتنمية عمليات التفكير العليا.

معوقات تعليم التفكير

لا يزال الطابع العام السائد في وضع المناهج والكتب الدراسية المقررة في التعليم العام متأثرًا بعملية مراكمة كم هائل من المعلومات والحقائق غير ضرورية ولا كافية لتنمية مهارات التفكير لدى الطلبة، وهذا ما ينعكس على حشو عقول الطلاب بالمعلومات والقوانين والنظريات عن طريق التلقين، كما ينعكس في بناء الاختبارات المدرسية والعامة والتدريبات المعرفية الصفية والبيتية التي تثقل الذاكرة ولا تنمي مستويات التفكير العليا من تحليل ونقد وتقويم.

كما يعد تركيز المدرسة والمعلم على عملية نقل وتوصيل المعلومات بدلًا من التركيز على توليدها أو استعمالها، باستئثار المعلمين معظم الوقت بالكلام دون الاهتمام بالأسئلة والمناشط التي تتطلب إمعان النظر والتفكير، أو الاهتمام بإعطاء دور إيجابي للطلبة الذين يصرح المعلمون بأنهم محور العملية التعليمية وغايتها، معوقًا آخر.

اختلاف وجهات النظر حول تعريف مفهوم التفكير وتحديد مكوناته بصورة واضحة تسهل عملية تطوير نشاطات واستراتيجيات فعالة في تعليمه، يؤدي بدوره إلى وجود مشكلة كبيرة تواجه الهيئات التعليمية والإدارية في كيفية تطبيقه.

ولا يمكن تجاهل اعتماد النظام التعليمي والتربوي في تقويم الطلاب على اختبارات مدرسية وعامة قوامها أسئلة تتطلب مهارات معرفية متدنية، كالمعرفة والفهم، وكأنها تمثل نهاية المطاف بالنسبة للمنهج المقرر وأهداف التربية.

وعليه فإن التعليم من أجل التفكير، أو تعلم مهارته شعار جميل نردده دائمًا من الناحية النظرية، أما على أرض الواقع فإن الممارسات الميدانية لا تعكس هذا التوجه.

الأسلوب المباشر

أسلوب الدمج والتكامل

تعليم مهارات التفكير يكون على شكل مهارات مستقلة عن محتوى المواد الدراسية.

تعليم مهارات التفكير يمثل جزءًا من الدروس الصفية المعتادة.

يتم تحديد المهارة أو العملية وتعريفها، ويقدم للتلاميذ في بداية الحصة.

لا يتم إفراد حصة، ولا يتم التركيز على المصطلح بصورة مباشرة.

لا توجد علاقة لمحتوى الدرس بالمنهج الذي يدرسه التلاميذ.

محتوى الدرس الذي نُعلم فيه المهارة جزء من المنهج المعتاد.

يراعي أن يكون محتوى الدرس بسيطًا، حتى لا يتداخل أو يعقد تعلم مهارة التفكير.

يصمم المعلم الدرس وفق المنهاج المعتاد ويضمنه المهارة التي يريدها.

يتم الانتهاء من برنامج تعليم مهارات التفكير خلال فترة زمنية معينة.

لا يتوقف إدماج مهارات التفكير مع المحتوى الدراسي طوال السنوات الدراسية.

 

لماذا نحتاج إلى تعليم التفكير؟

نحتاج إلى إعداد الإنسان إعدادًا صالحًا لمواجهة ظروف الحياة العملية التي تتشابك فيها المصالح وتزداد المتطلبات، ليتاح له المجال لاكتساب المهارات التي تجعله قادرًا على التفكير في تلمس الحلول للمشكلات التي تطرأ على حياته.

- كثرة المعلومات وتعقدها، وبالتالي حاجة الأفراد إلى تعلم القدرة على التحليل المنطقي واتخاذ القرارات بشكل مناسب.

- حاجة الطلاب للتفكير بكفاءة، وذلك حتى يستطيعوا التصرف بمسؤولية وبشكل فعال.

- حاجة المجتمعات الصناعية المعاصرة إلى تأهيل أبنائها بمهارات القدرة على التفكير أثناء أداء المهنة، حتى يتمكنوا من إتقان أعمالهم، كما أن المجتمعات النامية هي الأخرى بحاجة ماسة إلى مثل هذا التأهيل.

- حاجة السياسيين لمهارات التفكير المناسبة  التي تساعدهم على إدارة شؤون الحياة والأفراد بكفاءة ونجاح.

أنواع التفكير وأهم المهارات الخاصة بكل نوع

تتعدد مهارات التفكيـر، نظرًا لتعدد أنواعه، فهناك - كما تعلم - التفكير الإبداعي والتفكير الناقد والتفكير التأملي والتفكير الاستقرائي... إلخ، ولكل نوع من هذه الأنواع المهارات الخاصة به.

والاتجاه السائد في هذه الأيام - بداية القرن الحادي والعشرين - هو تعليم مهارات التفكير بصرف النظر عن نوعه، وهذا يعني أن الهدف من تعليم التفكير للتلاميذ ليس تعويدهم نمطًا معينًا من أنواع التفكير أو مهارة معينة، بل تعويدهم أكبر قدر ممكن من مهارات التفكير، وإذا أتيحت الفرصة لذكر نوع التفكير الذي تنتمي إليه المهارة فلا بأس.

طريقة مختصرة لتعليم مهارات التفكير

- حدد المهارة التي تريد تنميتها من خلال الدرس: وهذه المهارة من الممكن أن تكون متضمنة في الأهداف التدريسية التي تصوغها عند تخطيطك للدرس الذي ستشرحه، فمثلاً، عندما يكون عندك هدف مثل «أن يفرق التلميذ بين عمل إن وأخواتها، وعمل كان وأخواتها بصورة دقيقة) فإن هذا الهدف ينمي مهارة المقارنة، والمقارنة مهارة من مهارات التفكير.

- تخير الأنشطة واستراتيجيات التدريس التي تساعدك في تنمية هذه المهارة ولا تنسَ أنه بإمكانك أن تستخدم في الحصة الواحدة أكثر من طريقة تدريس.

- قدم مفهوم هذه المهارة للتلاميذ أثناء شرح الدرس.

- درب التلاميذ على هذه المهارة جيدًا، فالفرد لا يقدر على ممارسة المهارة بإتقان إلا إذا دُرب عليهـا جيدًا، وتذكر المثل الصيني الذي يقول: «لا تعطني سمكة، ولكن علمني كيف أصطاد»، فإذا قارن التلميذ، وحلل، وناقش، وصنف، وفسر، وشرح بأسلوبه...إلخ، فأنت تدربه على مهارات تمكنه من مواجهة المواقف والمشكلات الحياتية بصورة دائمة.

- أعطِ تمرينات للتلاميذ للتأكد من إتقان التلاميذ للمهارة: بعد الانتهاء من تدريب التلاميذ على مهارة التفكير المراد تعليمها لهم، أعطهم تدريبات للتأكد من أنهم قد تعلموها.

 

مصدر المقال

http://www.almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=412&Model=M&SubModel=138&ID=1977&ShowAll=On

مصدر الصورة

http://emag.mans.edu.eg/media/news/30/news_2063798808.jpg

التعليقات