top-banner

أيها المبدع لاتنتظر من يصفق لك !

 

 

 

 

بقلم : رحمة العتيبي

 

 

جاءتني ذلك اليوم في قمة انشغالي وزحمة أعمالي،وبصوت خجول قالت:

أستاذتي أريد أن أطلعك على بعض قصصي،

رفعت حاجبي دهشة، ما شاء الله تكتبين القصص يا عبير؟

قالت نعم ،  وأحب أن تعطيني رأيك فيها أستاذتي؟

وناولتني وريقات كتبت بخط حاسوبي كبير، قلت لها: سأقرؤها وأفيدك برأيي ،

قالت: بلا مجاملة،قلت بلا مجاملة.


كلامها انتشلني من محيط عملي الروتيني، ونقلني إلى جزيرة أخرى جميلة  مورقة ومشمسة.


جميل حقًا،أن تكون إحدى طالباتي كاتبة قصص،،طوال سنة كاملة لم تلفت أبدًا انتباهي،هذه الفتاة كنت أظنها عادية جدًا كغيرها من الطالبات بلا مواهب تميزها، ولكن حين قرأت قصتها أدهشني فعلاً ما قرأت، قرأت إبداعًا سابقًا سنها بكثير،

 

ليست المرة الأولى التي أتلقى إبداعًا من طالباتي لكنه كان إبداعًا لما ينبت له ريش أو أجنحة،ولكن هذا الإبداع كان ناضجًا ومستويًا على سوقه،لم أشك لحظة أنها كاتبته لأني أعرف خلقها تمامًا، تحمست كثيرًا للموضوع، شعرت أني اكتشفت منجمًا للذهب.


في اليوم الثاني بمجرد أن رأيتها ناديتها، بادرتني بالسؤال، قرأت القصة أستاذتي:

قلت: مدهش أكثر من رائع! واستدركت وأنا أتظاهر بالذكاء: أحقًا أنت كاتبة القصة؟

قالت: أقسم يا أستاذتي أنني أنا كاتبتها.


قلت نعم: أصدقك، منذ متى وأنت تكتبين القصص?

قالت: من الصف الثالث متوسط، قلت أنت مشروع كاتبة واعدة، ولو استمررت في الكتابة بهذا المستوى

فستصبحين كاتبة بارزة على الساحة الأدبية في غضون سنين قليلة.


قالت: لدي المزيد من القصص.

وأعطتني المزيد من قصصها،ومعها زادت دهشتي وزاد حماسي لأن أتبنى هذه الموهبة وأخرج منها مشروع كاتبة غير عادية،

وفي اليوم الذي يليه جاءتني وبكل حماس سألتني عن رأيي في قصصها الثانية ، قلت لها بكل صراحة نسيتها في درج مكتبي.

سأقرؤها في أقرب وقت بإذن الله! قالت أحتاج نقدًا بناء منك يا أستاذتي ، قلت: أبشري بدراسة نقدية لكل قصصك.


وتوالى مسلسل النسيان لدي في زحمة الأشغال، وكانت كل يومين أو ثلاثة تسألني ماذا فعلت بقصصها، وأرد بالرد المعتاد،لم أقرأها بعد،

مشغولة أنا،كنت أضع قصصها جانبي وأقول بمجرد انتهائي من تصحيح أوراق الاختبارات  أو تحضير الدروس،

سأقرؤها قراءة متأنية نقدية وأكتب لها أهم ملاحظاتي،وأخيرًا قرأتها قراءة سريعة،وأنا في قمة انشغالي الذهني،

ذهني الذي لم أستطع أن أستجلب صفاءه حتى وأنا بدون شغل. المهم أنني قرأتها، وقلت لها رأيي سريعًا مقتضبًا،

قصصك رائعة أسلوبك جميل، قالت: هل من نقد.

قلت : لا، لا، لكن أعدك أن أوافيك برأيي مكتوبًا مفصلاً.


ثم أعطتني المزيد من قصصها،وتكرر نفس ما حدث، وإن كانت هذه المرة أبدت يأسًا فلم تسأل كثيرًا،

ولكنني أصررت على أن أناديها بعد فترة وأخبرها أنني قرأت قصصها وهي جميلة وأنني مازلت أنوي كتابة دراسة نقدية عنها ولها.


ولكن، داهمتني الاختبارات النهائية  بكل توابعها وزوابعها،ثم انتهت السنة، وتخرجت طالبتي في الثانوية العامة،

ولما أعطها رأيي مفصلاً أو أضيء لها الطريق ،أو أتبناها - كما فكرت سابقًا - مشروعًا لكاتبة مبدعة واعدة،

ولا أعلم ماذا فعلت هل كسرت قلمها وهجرت حرفها،أم مازلت تبحث عمن يتبنى إبداعها،

مع أني لمست فيها يأسًا وتهميشًا لما تكتب ونظرة دونية لما تبدع.


هل خذلتها؟ مؤكد! مؤلم أن تخذل من يعلق عليك أملًا، كبيرًا كان أو صغيرًا،

مؤلم أن تمارس فعل الخذلان مع أحد،أيًا كان هذا الأحد، مؤلم أن تكون دون سقف توقعات من أمامك

ممن يمنحك الثقة،مؤلم أكثر أن تخذل مبادئك،أو أن  تخذلك مبادئك !


هل هو ذنبي،أم ذنبها ،أم ذنب الظروف حولنا،أم ذنب الإبداع حين يأتي في وقت غير مناسب،

وهل للإبداع وقت؟  وهل الإبداع عندما يوقت نفسه ويمنطق فعله يصبح إبداعًا؟


لماذا مصير المبدعين مظلم لدينا، بأن ينتهوا أناسًا عاديين، مهزومين ومحبطين. وكئيبين.

ليست القضية قصة طالبتي وإبداعها الموؤود بل قصة كثيرات غيرها وقصة كل مبدع ومتميز،

حين لا يجد حاضنات لإبداعه ولا يجد من المحيطين حوله إلا التهميش،أو التحطيم.


لست مؤهلة لأن أتبنى إبداعًا، ما، من أي نوع،لذا أحار كثيرًا حين أصادف بعض نماذج من الإبداع،

أشعر أن عليهم أن يفعلوا شيئًا ما مختلفًا،متميزًا، ولكن  لا أعرف ما هو؟ أشعر أني أود أن أسدي لهم نصيحة ما

ولكن لا أدري ما هي،لكن الشعور الغالب لدي هو بالخسارة،

من الخسارة أن تمتلك موهبة لا تعرف كيف توظفها وأين تستنبتها  ومتى تجني ثمرتها.


إحدى صديقاتي، متخصصة في اللغة الإنجليزية،كنت أظن نفسي قارئة حتى قابلتها كنت أحدثها،

عن بعض الكتب المترجمة التي قرأتها وكان بعضها قد يبلغ 500 صفحة كانت تخبرني أنها قرأته سابقًا وبلغته الإنجليزية،

موسوعة ثقافية هي في اللغتين، كنت أقول لها: في اليوم الذي أتغيب فيه اذهبي بدلاً عني واشرحي حصة النحو كانت تضحك

وتقول: تم! حتى خطها العربي كان آية في الجمال.


وعرفت فيما بعد أنها تكتب قصصًا قصيرة باللغة العربية، اطلعت على بعض قصصها الجميلة لا ينقصها سوى النشر.

مدهش أن يتقن المرء ويصل إلى درجة الإبداع في أدبين ولغتين وثقافتين،

إضافة إلى أن  ذكاءها وسعة أفقها ورؤيتها للحياة كان مختلفًا ونادرًا،كنت أقول لها أشكر الله أنك صديقتي!


أعتبر صديقتي هذه نموذجًا للإبداع المخفي ،أطلعتني ذات مرة على مشروع كتاب لها،

قصص للأطفال مترجمة من اللغة الإنجليزية إلى العربية،كم كان رائعًا موضوعًا وفكرة وأسلوباً وجدة،

أرتني صور الغلاف وما اختارته من صور داخل بعض القصص، تناقشنا أنا وهي في الكتاب،

أثنيت عليها بكل حماس  وفخر وطالبتها أن تنهيه بأسرع وقت،وتخرجه للنور لأنه قد يكون علامة فارقة في مكتبة أدب الأطفال.


ثم مرت شهور وشهور، ولما تنجز صديقتي كتابها، وكلما اتصلت عليها وسألتها،

تقول ليس بعد، حتى فقدت حماسها تمامًا، ومعه تركت الموضوع تمامًا.


لماذا تخذلين إبداعك يا صديقتي؟

حقيقة لا ألومها،شعرت أنها تدخل في حالة طويلة من الإحباط والكآبة.

لم تستطع الخروج منها،وقد يكون التعليم سببًا رئيسيًا فيها،بكل ما فيه من ضغوط ومحبطات وصدمات.


انتهت قصة صديقتي التي تنضح إبداعًا،  ولست أدري هل ستحيي  إبداعها  أو أنه مات إلى الأبد.


التعليم هو المحضن الأول للإبداع، ومعه وبه  نحتاج  إلى انتفاضة إبداعية نرسم بها خرائطنا، ونعيد بها تشكيل ملامحنا.

لا أعلم لماذا يمارس كثير من المبدعين والمبدعات لدينا مهنة إخفاء أنفسهم،

من المبدعين من ينكر نفسه. ويخجل من إبداعه، بل قد يزدريه ويحاول أن يظهر إنسانًا عاديًا،

وكأن الإبداع وصمة، والتميز جريمة، صحيح أن  الغرور مقتلة للمبدع ولكن  التواضع-

بمعنى التقليل من شأن  إبداعه-  مقتلة كبرى لإبداعه.


وأحيانًا  قد  يعبر المبدع  عن مكنونه، فلا يجد  إلا التهميش مرة، والحسد تارة أخرى،

قد يعادي البعض المبدع فقط ، لأنه لا يشبههم،لأن الإبداع خروج على النسق، الإبداع سباحة ضد تيار التقليد،

الإبداع إزعاج لسكون العادي. المبدعون كم نحتاجهم،كثيرًا وكم نقتلهم دائمًا.


ليس لدي من نصيحة لأي مبدع  إلا  أن يتبنى ذاته ويكون أبًا لإبداعه ولا ينتظر من يصفق له ويقوده إلى جزر أحلامه.

وأما على مستوى القضية فالإبداع قضية الجميع، ولا يظن المبدع أن إبداعه ملك له وحده  بل هو  ملك مجتمعه ووطنه والإنسانية جمعاء.

بعض المبدعين مقلون جدًا في إنتاجهم بل إن إبداع بعضهم مثل تغريدة البجعة التي تطلق أروع أصواتها قبيل موتها،

نادرًا ووحيدًا وغريبًا يأتي مرة واحدة، وبعدها يؤبن هذا الإبداع، وعلى الجانب الآخر،

هناك من المبدعين من يستنزف ذاته حتى يصبح كنيزك  جبار محترق تحول رمادًا.

وبعض المبدعين مصاب بالمزاجية وهي حياة وموت المبدع.


جميل أن يقبض عليك متلبسًابالإبداع، والأجمل أن تحول إبداعاتك إلى مشاريع أدبية وفكرية ومادية.

متى يدرك المبدعون أن مجرد ممارسة الإبداع دون تخطيط أو هدف لن يُجنى منه شيء،

نحن نحتاج جيوشًا من المبدعين والموهوبين حتى ننهض، والمبدعون ثروة وطنية لا تقل أهمية عن مناجم النفط والذهب.

ولن نقتنع أن برامج الموهوبين والموهوبات في المدارس كافية،

وأنها بطريقتها الحالية من إسناد مهمة رعاية الموهوبين أو الموهوبات إلى معلم أو معلمة غير متفرغ وغير متخصص سنجني منه شيئًا.


وعلى الجانب الآخر هناك المعلمون والمعلمات من المبدعين والمبدعات والموهوبين والموهوبات،

من سيرعاهم ويتبنى إنتاجهم ليخطوا شيئًا مذكورًا في سفر الإبداع، التعليم يحوي كنوزًا هائلة من الإبداع  قد تشكل ملامح مستقبلنا القادم،

فنتمنى أن لا يكون  مقبرة لإبداعهم، المبدعون ثروة وطنية هائلة، ولكن متى سنحسن استثمارها؟

 

 

مصدر المقال

http://www.almarefh.net/show_content_sub.php?CUV=373&Model=M&SubModel=129&ID=714&ShowAll=On

 

مصدر الصورة

http://www.ibda3world.com/wp-content/uploads/2011/06/8911-creative-mind.jpg

التعليقات